محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

466

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ باللّه وبالتوراة ، وبئس الإيمان إيمان يأمر بالكفر ويفضي بصاحبه إلى عبادة العجل . وقال الحسن : إن كنتم أي لو كنتم مؤمنين بالحقيقة ، أي وليس الأمر كذلك . الأسرار وقد تعجّب أهل البصائر بآيات اللّه من أهل التفسير كيف حملوا الإشراب على شرب الماء الذي نسف فيه سحالة العجل ؟ ! ومن أهل المعاني كيف حوّموا على المشرع وما وردوه ؟ ! وكيف عجزوا عن تطبيق اللفظ على المعنى ؟ ! وأنّ اللّه سبحانه وتعالى بيّن أنّ قبولهم الحقّ كان بإرهاق وإكراه حيث رفع فوقهم الطور حتّى قبلوه ظاهرا على كره منهم باطنا وسماع ( 203 آ ) منهم قولا ، وعصيان منهم فعلا ، وأنّ قبولهم الباطل كان بطوع وطباع ، حيث أشرب قلوبهم بحبّ العجل حتّى والوه بعد أن أحرق أو حرّق ، وتهالكوا عليه بعد أن نسف في اليمّ نسفا ؛ فيا لها من تفاوت بين نفوس ونفوس ، وعقول وعقول ؛ فنفس كانت في فعل الخير وقبول الحقّ على فطرة وطباع حتّى كان الخير لها عادة ، والشرّ عليها لجاجة ، ونفس كانت في فعل الشرّ وقبول الباطل على جبلّة وطباع حتّى كان الخير وقبول الحقّ لها بخبر التكليف ورفع طور التعنيف ، وكان الشرّ وقبول الباطل لها بإشراب القلب حبّ العجل على مكابرة الحسّ ومصادرة العقل . وسرّ آخر : أنّ قوما من هذه الأمّة قد أخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على اللّه إلّا الحقّ ؛ فوفوا بالعهد وأبرموا الميثاق ، وقالوا : سمعنا وأطعنا دون رفع الطور ونتق الجبل ، وكان لهم تكليف ما يستطاع من غير منازعة الطباع ؛ وطوائف من هذه الأمّة قد أخذ اللّه - عزّ وجلّ - الميثاق بالنبوّة ، وأخذ عليهم النبيّ ميثاق الإمامة ؛ فنقضوا العهد والميثاق ، وقالوا : سمعنا وعصينا ، ولكلّ طائفة منهم عجل قد أشرب في قلوبهم حبّه ، وهو لا يكلّمهم ولا يهديهم سبيلا ، وذلك العجل إمّا عقله وهواه وإمّا رجل قلّده وهو يهواه ؛ فأشرب قلبه بحبّه ، واتبعه على غير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، ثاني عطفه ، فريقا يقال في حقّه : بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين .